لم تكن اللغة العربية مجرد وعاء للكلمات، بل كانت قدرا اصطفاه الله ليحمل أثقل رسالة عرفتها البشرية، فلما نطق الوحي لم يضف إلى العربية قداسة النص فحسب، بل أسبغ عليها خلود البيان، فسمت ألفاظها، واستقام نسقها، واتسع أفقها لتحتمل معاني الغيب، وتشريعات الحياة، وبيان الإعجاز. غير أن هذا المعنى لا يتجلى في الكتب وحدها، بل أكتشفه حيا ومتجددا في قاعة الدرس، وأنا أعلم العربية لمن لم يولدوا في رحابها.
عندما نتكلم العربية بلسان غير عربي في حصص تعليم العربية للناطقين بغيرها
تتعرى اللغة من الألفة، وتنكشف أسرارها؛ فتتجلى أسئلة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها، تعيدني في إلى جوهر العربية الأول.
لماذا يختلف المعنى بتغير حركة؟
كيف تتسع كلمة واحدة لمعان متقابلة؟
ولماذا تعجز الترجمة أحيانا عن حمل روح النص؟
عندها أدرك أن العربية ليست نظاما لغويا جامدا، بل هي كائن حي، يقوم على الدقة والمرونة معا، على الإيجاز الذي لا يخل، والاتساع الذي لا يربك.
من الفصل الدراسي إلى أفق القرآن
وحين نصل في الدرس إلى نص قرآني، يتضاعف هذا الإدراك، فأرى الدهشة في عيون المتعلمين حين يكتشفون أن ترتيب الكلمات ليس اعتباطيا، وأن التقديم والتأخير، والحذف والذكر، والصيغة الصرفية، كلها تصنع المعنى كما تصنعه المفردات نفسها.
هناك، في تلك اللحظة التعليمية الخالصة، يظهر معنى الإعجاز: ليس في غرابة الألفاظ، بل في انسجامها التام مع المعنى، وفي قدرتها على أن تفهم، وتُذاق، وتدرس، بعد قرون طويلة من نزولها.
القرآن… الحارس الصامت للعربية
من خلال تعليم العربية لغير أهلها، يتأكد لي أن بقاء هذه اللغة ليس أمرا طبيعيا في منطق التاريخ، فهناك لغات كثيرة كانت أكثر انتشارا وقوة، ثم تراجعت أو اندثرت؛ أما العربية فبقيت حية، ومحفوظة، ومتداولة، لأن لها نصا يتلى كل يوم، ويحفظ في الصدور، ويدرس بوصفه أصلا لا فرعا.
القرآن الكريم لم يكن نصا استعمل العربية فحسب، بل نصا صاغها، وضبط معاييرها، وحفظ بنيتها، وجعلها مرجعا لا يتجاوز؛ وكل درس لغوي أقدمه، وكل سؤال يطرحه متعلم غير عربي، يذكرني بأن هذه اللغة لا تزال تؤدي وظيفتها الأولى: البيان.
العربية رسالة قبل أن تكون مهارة
أدرك اليوم، من خلال تجربتي التعليمية، أن تعليم العربية ليس نقل مفردات أو قواعد، بل تعريف برسالة، فمن أراد فهم القرآن، لا بد أن يقترب من لغته، لا بوصفها لغة قوم، بل لغة وحي، ومن هنا، تصبح العناية بالعربية عناية بالمعنى، وبالفهم، وبالجسر الذي يصل الإنسان بكلام الله.
إن أعظم ما تعلمته من تعليم العربية للناطقين بغيرها، أن هذه اللغة لا تزال تكشف أسرارها لمن يقترب منها بصدق، وكلما نطق الوحي في درس، أو سؤال، أو تأمل لغوي، تبين لي أن العربية لا تخلد بذاتها، بل خلدت لأنها كانت اللسان الذي اختاره الله لكلامه، وهكذا سيبقى القرآن حافظها الأكبر، وستبقى العربية شاهدة على أن البيان إذا اتصل بالوحي، جاوز الزمان واستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
